
من أعظم ما تتطلَّع له النفوس وتشرئبُّ له الأعناق الفقهُ في الدين، الذي لم يكن مفهومُه عند السلف معرفةَ أبواب الفقه من العبادات والمعاملات وغيرها فحسب، بل كانت فرعًا من مفهوم الفقه عندهم، فقد كان الفقه عند السلف الصالح يشمل الدين كلَّه من أصول وفروع وعقائدَ وأحكام وأخلاق، والعملَ بذلك كلِّه؛ فكانت كلمة الفقه تساوي عندهم كلمة الشريعة بكلِّيَّاتها وتفاصيلها؛ وهكذا فهموا قوله صلى الله عليه وسلم: (مَن يُرِد اللهُ به خيرًا يُفَقِهْه في الدين). وهذا ما يجب أن يلحظَه دارسُ الفقه، وهو ما تتطلَّع إليه دار الفقهاء في تكوين جيل يفهم قولَ أبي حنيفة رحمه الله: (الفقه: معرفةُ النفْسِ ما لها وما عليها)؛ فيَعلَم، ويُتقِن، ثم يعمل على وَفق ما علِمَ؛ فيستحقّ بهذا اسم الفقيه. وقد درج العلماء سابقًا على تدريس المتون المعتمدَة في المذاهب الأربعة؛ تسهيلًا على الطلَّاب، ليتقنوا المفتَى به في المذهب بداية، ثم يرتقوا بهم إلى كتب الشروح، ثم الفتاوى؛ ليتعلَّموا الخلافَ والأدلَّة والتعليلات؛ فيتشربُّوا الفقه بطريقة مثلى؛ ليكون أدعى إلى تكريس المسائل وتمكينها في النفوس. وبهذا يحفظون شبابَنا من تسيُّبِ العلم وفوضى الفتوى التي نراها بين أدعياء العلم؛ لعدم سلوكهم هذا الطريقَ القويم في أخذ العلم تدريجًا من أهله كابرًا عن كابر، سندًا وفهمًا؛ فإنَّه لولا الإسنادُ في الدين لقال مَن شاء ما شاء؛ فلا يخرج بعدَها السالك على يديهم، الذي ضبط المسائل وعَلِم الأدلَّة والخلافَ وعظَّم في نفسه كتب القوم وعلِم جهدهم العظيم وعلمهم الغزير، لا يخرج بعد ذلك عن أقوالهم وفتواهم المحررَّة والمضبوطة. ومن هنا جاءت أهمِّيَّة قراءة متن كنز الدقائق المختصَر، المعتمَد؛ فالإجازة به نافعة.
وسوف ندرس في هذه الدورة أحكامَ العبادات والأحوال الشخصية والحدود من هذا المتن المعتبر.
- المعلم: الشيخ مؤيد خليفة
أن يكون الطالب قد اطَّلَع على متنٍ في العبادات (نور الإيضاح – مراقي السعادات) من كتب الحنفيَّة، ليكون مقدِّمة لدخوله في كنز الدقائق، وأن يقرأ الطالب الدرس قبل البَدْء به، ويعيدَه بعد الانتهاء من شرحه؛ فتمرّ العبارة على فِكْره مرَّتين، ويَسْهُل على الأستاذ الانتهاء من المقرَّر.
سيتعرَّف الطالب باختصارٍ على معتَمَد الحنفيَّة في مسائل الكتاب، ويدركُ قولَ الإمام أبي حنيفة في كلِّ أبواب الفقه، مع شرح متوسِّط لكلِّ مسألة، وذِكْرِ بعض مواطن الخلاف مع شيءٍ من الأدلَّة والتعليل، وربما يُذْكَر خلاف باقي المذاهب في المسائل المهمَّة المشهورة الواقعيَّة، وسيتمُّ شرح المتن من حيث توضيحُ الألفاظ لغويًّا، وحلُّ ما في الكتاب من مُعْضِلات، سواء في فكِّ العبارة أو بيان الأوْجُه فيها نظمًا أو حكمًا، ثم سيكون الطالب مع نهاية الكتاب محيطًا بفهم كتابٍ معتمَد عند الحنفيَّة، شاملٍ لكلِّ أبواب الفقه، ومهيَّأ لدرْكِ مستوى الشروح، وصاعدًا على سلَّم التمرُّس والملَكَة الفقهيَّة إن شاء الله.